العلم القدسی والعلم العلمانی

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

 

العلم القدسی والعلم العلمانی

الدكتور مهدى گلشنی
رئیس معهد العلوم الانسانیة والدراسات الثقافیة

1ـ الممقدمة :

تعرف دائرة المعارف البریطانیة القدسیة بالطریقة الآتیة:

« قُدرةٌ وسطوةٌ، أو كائنٌ و وجودٌ، أو حیّزٌ ونطاق إتَّخـَذَهُ عددٌ من المتدینین فی قلب وبؤرة الوجود، ولهُ فعالیة ووقع على حیاتهم ومقدراتهم ومصیرهم ».

أمّا من وجهة النظر الاسلامیة فهو كُلّ أمرٍ متَّجهٍ الى ا… سبحانه وتعالى. إذاً اصطلاح «مُقدّس» حسب المعتقدات والمبادیء والاُصول یُستفاد منه فی الإشارة الى الخالق جلَّ وعلا. ویطلق هذا الاصطلاح جوازاً على ما یتناسب دوره فی التعرّف على ربِّ الكائنات سبحانه. وبناءً على ذلك یمكن استعماله فی المعارف الّتی تؤدی الى التقرّب من ا… جلَّ وعلا. ومن هذا المنطلق سنحاول تبیین صفات «العلم القدسی» الممیّزة.

2ـ الاسلام والمعرفة :

تستخدم كلمة (علم) ومشتقاتها بصورة مستمرة فی القرآن. ویُقصد بها المعرفة فی معناها العام حیث تشمل العلوم الطبیعیة والبشریة.

«وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِیُحْصِنَكُم مِنْ بأسِكُم » (الانبیاء/ 80)

ومَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا یَنْبَغِی لهُ… » (یس/ 69)

«فَوَجَدا عَبْدَاً مِنْ عَبِادِنَا آتِیْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً » (الكهف/65)

«وَیَتَعَلَّمُونَ مَا یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ… » (البقرة/ 102)

«یَرْفَعُ اللّه‏ُ الَّذینَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذینَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ» (المجادلة/ 11)

ویحث التراث الاسلامی على المعرفة والتعلم ویكیل لها المدح والثناء وهناك الكثیر من الامثلة التی تعبر عن ذلك من خلال الاحادیث النبویة الشریفة حیث یشجع الرسول الاعظم صلى‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم على طلب العلم والمعرفة:

(طَلَبُ الْعِلْم فَریضَةٌ على كُلِّ مُسْلِمٍ)(1)

(أُطْلُبُوا الْعِلْمَ وَلَوْ بالصِّینِ)(2)

وهكذا فان طلب العلم واجب دینی من وجهة النظر الاسلامیة ولا تشیر الاحادیث النبویة الشریفة الى التقید بالعلوم الدینیة فقط وإنما المعرفة بصورة عامة والصین لیس المكان المناسب لمعرفة التعالیم الاسلامیة. هناك على أی حال شیء من التقید على نوع المعرفة التی یوصی بها الاسلام. ینتقد القرآن الكریم اولئك الذین یبحثون عن نوع من العلوم والمعرفة والتی لا تنفع صاحبها او الآخرین.

«وَیَتَعلّمُونَ مَا یَضُرُّهُمْ وَلاَ یَنْفَعُهُمْ» (البقرة/ 102)

یشیر الرسول الى نفس النقطة حیث یقول صلى‏الله‏علیه‏و‏آله‏وسلم :

سلوا اللّه‏ علماً نافعاً وتعوذوا باللّه‏ِ مِنْ علمٍ لا ینفع.(3)

هنا لم تستخدم كلمة (نافعاً) فی معناها المجرد (ای القائل بمذهب المنفعة) لتوضیح هذه النقطة یجب ان نشیر الى الفكر الاسلامی للحیاة الانسانیة. وفقاً للقرآن الكریم.

خُلِقَ الانسانُ لیعبدَ اللّه‏ عزوجل.

«وَمَا خَلَقْتُ الَجِنّ والإنْسَ إلاّ لیَعْبُدُونِ » (الذاریات/ 56)؛ العبارة (عبادة) تعنی المفاهیم الضمنیة من وجهة نظر الاسلام والتی تشیر الى الاعمال التی ترضی الخالق وهی غیر محددة كما یسیء فهمها بعض الناس حیث یتصور البعض بانها فقط الصلاة والصوم وبعض الأمور الاخرى. فعلى سبیل المثال فان أی خدمة تقدم من مسلم لأخیه المسلم تعتبر بمثابة نوع من العبادة. وللعبادة بعدین: الایمان باللّه‏. وما یوضحه اللّه‏ من خلال انبیائه وانجاز الاعمال الخیرة.

«وَأمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَاءً الحُسْنَى…» (الكهف/ 88)

وهب اللّه‏ عزوجل الانسان الحواس والقدرات الضروریة الاخرى للتعلم كی یتمكن انجاز ما یطلب منهم.

«واللّه‏ُ أخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أمهاتِكُمْ لا تَعْلَمُون شیئاً وَجعَلَ لكُمْ السَّمْعَ والأبْصَارَ والأفْئِدَةَ لعلَكُمْ تَشْكُرُونَ » (النحل/ 78)

بالاضافة الى ذلك فلقد زود اللّه‏ البشر بالمستلزمات الضروریة لكی یستفیدوا من دورهم كخلفاء اللّه‏ فی الارض.

«وَهُوَ الَّذی سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحماً طَریّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حُلیةً تلبسُونَهَا وَتَرَى فی الفُلْكِ مَوَاخِرَ فِیْهِ ولتبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعلَّكُم تَشكُرُونَ » (النحل/ 14)

ونصح الانسان ایضاً بان یستفید بصورة صحیحة من نِعم اللّه‏ ویتجنب أی نوع من الفساد والمعاصی على الارض.

«وَاحْسِنْ كَمَا أحْسَنَ اللّه‏ُ الیْكَ وَلاَ تَبْغِ الفَسَادَ فی الأرْضِ إنَّ اللّه‏َ لا یُحْبُ المُفْسِدِینَ » (القصص/ 77)

الحقیقة أنَّ البشر مدعوون الى الاستفادة من نعم اللّه‏ بصورة تجعلهم یتسابقون فی أعمال الخیر.

«اِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِیْنَةً لها لِنَبْلُوَهُمْ أیُّهُمْ أحْسَنُ عَمَلاً » (الكهف/ 7)

وهكذا فان المعرفة المفیدة هی نوع من المعرفة التی تتمحور حول اللّه‏ لتوجیه البشر بصورة نظریة وعملیة. وهذا یمكن تضمینه اذا تأطرت المعرفة من خلال وجهة النظر التوحیدیة الصحیحة العامة، فی المحیط الاسلامی حیث توفر الآراء الاسلامیة العامة مثل هذا الأطار. فی هذا البحث، نعرف المعرفة والعلوم الدینیة كنوع من العلم او المعرفة التی تؤطر من خلال وجهة النظر التوحیدیة للاسلام، حیث تختلف المعرفة الدینیة عن المعرفة الدنیویة من ناحیة الاهداف والافكار والمفاهیم الفرضیة الفلسفیة.

«كلُّ ذلك یتمركز ویتمحور حول اللّه‏ ومن المفترض ان یؤدی بالنتیجة إلیه».

3ـ الاسلام وعلوم الطبیعة :

یشیر القرآن الكریم الى المظاهر الطبیعیة كدلائل وعلامات لوجود اللّه‏ ویوصی القرآن ایضاً بدراسة المظاهر الطبیعیة المختلفة كسبیل لمعرفة الخالق وعبادته.

«ومِنْ آیاتِهِ خلقُ السمواتِ والأرض واختلافُ ألسنتكم وألوانكم إنَّ فی ذلك لآیات للعالمین » (الروم/ 22)

«قُلْ أنظروا مَاذَا فی السمواتِ والأرضِ…» (یونس/ 101)

«قُلْ سِیرُوا فی الأرْضِ فانْظُرُوا كیفَ بَدَأَ الخلقَ…» (العنكبوت/ 20)

تعتبر التعالیم الاسلامیة التأمل فی صنع اللّه‏ِ للكونِ من أفضل النماذج لعبادة اللّه‏. ویُنقل عن الامام علی علیه‏السلام قوله:

لا عبادة كالتفكیر فی صنعة اللّه‏ عزوجل(4)

من وجهة النظر القرآنیة، الهدف من دراسة المظاهر الطبیعیة لیست الطبیعة بذاتها بل من المفروض أنْ تؤدی بالنتیجة الى تقریب الانسان الى الخالق عزوجل.

أعتقد العلماء المسلمون فی الماضی بأن الحكمة الالهیة تنعكس على خلقه وهذا المفهوم یوضحه احد العلماء الاعلام فی الاسلام فی القرن الحادی عشر (البیرونی)، حیثُ قالَ: عندما یقرر شخص ما أن یفرض بین الحقیقة والباطل یجب علیه ان یدرس الكون ویكتشف فیما اذا كان أبدیّ أو مختلق.

إذا اعتقد شخص ما بانه لا یحتاج الى هذا النوع من المعرفة، انه على أی حال بحاجة الى التفكیر والتأمل حول القوانین التی تحكم العالم جزئیاً أو كلیاً وهذا بدوره یؤدی الى معرفة الحقیقة حول القوانین وبالتالى یُمهد الطریق لمعرفة خالق الكون سبحانه. وهذا بالواقع نوع من الحقیقة التی یَأمُرُ اللّه‏ُ عبادَهُ العلماء بالبحث عنها واللّه‏ُ ینطقُ بالحقِ عندما یقولُ:

«رَبَّنّا مَا خَلَقْتَ هَذّا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ » (آل عمران/ 191)

تحتوی هذه الآیة على ما شرحناه بالتفصیل واذا عمل الانسان وفقاً لذلك، فان ذلك سیُقربه الى جمیع فروع العلوم والمعرفة والادراك.(5)

یسعى الكثیر من مؤسسی العلوم الحدیثة الى دراسة المظاهر الطبیعیة كوسیلة لفهم الكون لا كوسیلة للتقرب الى اللّه‏ تعالى، وذلك من أجل اشباع رغباتهم الخاصة كما اقر بویل:

عندما أمعن بدقة (من خلال المنظار) الأجرام السماویة المكتشفة قدیماً وحدیثاً وعندما الاحظ بدقة عالیة طبیعة الانسان فی براعة عمله وصنعه. كما درست كتاب الطبیعة بدقة وبمساعدة سكاكین التشریح ورأیت النور المنبعث من الأفران الكیمیاویة. عندئذ وجدت نفسی أهتف مردداً ترنیمة داود یا الهی ما هذا التنوع فی عملك وصنعك كل ذلك خلقته بحكمتك وجلالك المبارك.

4ـ بعض العناصر المهمة للمنظر العالمی الاسلامی :

المنظر العالمی هو الاطار الذی من خلاله یحدث أثر ملائم فی تشغیل عقولنا. ویتضمن ذلك الفرضیات التجریدیة والنظریة حول اللّه‏ والكون والانسان. ویؤثر الفكر العالمی على قراراتنا واسبقیاتنا وقیمنا وأهدافنا وهذا یعید افكارنا الى وعیها ووحدتها التامة. هنا سنذكر عناصر المنظر الاسلامی العالمی التی تؤثر على المعرفة بصورة عامة وعلى العلوم الطبیعیة بصورة خاصة.

1ـ التوحید :

من ابرز المفاهیم الأساسسیة السائدة فی الاسلام هی فكرة التوحید وتتضمن وحدة الخلق، یعنی العلاقات المتبادلة لجمیع أجزاء العالم، وهذا بدوره یتضمن وحدة المعرفة. وهكذا فانَّ هدف العمل العلمی هو اظهار وتوضیح الوحدة الاساسیة للعالم المخلوق. وهذا یعنی بأن تركیبة مختلف الانظمة العلمیة یجب ان تتجانس لاعطاء الصورة المتناسقة للعالم. وطبقاً للقرآن الكریم فان وحدة الكون هی انعكاس لوحدة الخالق.

«لَوْ كَانَ فِیهِما آلِهَةٌ إلاّ اللّه‏ُ لَفَسَدَتَا…» (الانبیاء/ 22)

وهكذا، فان التأمل حول وحدة الكون یقودنا الى الاستدلال على وحدة الخالق، وقد تجادل الفلاسفة المسلمون حول وحدة الكون الدالة على وجود الخالق، كما قال الملاصدرا:

«ارتباط الموجودات بعضها ببعض على الرصف الحقیقى والنظم الحكمى دال على انّ مبدعها واحد محض. وكما انّ كل واحد من اعضاء الشخص الواحد الانسانی وان وجد ممتازاً عن غیره من الاعضاء بحسب الطبیعة، لكن كونها مؤتلفة تألیفاً طبیعیاً مرتبط بعضها ببعض، منتفع بعضها عن بعض، منتظمة فی رباط واحد، تدّل على انّ مدّبرها وممسكها عن الانحلال قوة واحدة ومبدأ واحد. فكذلك الحال فی اجسام العالم وقواها. فان كونها مع انفصال بعضها عن بعض وتفرّد كل منها بطبیعة خاصة وفعل خاص یمتاز به عن غیره مرتبطة منتظمة فی رباط واحد مؤتلفة ائتلافاً طبیعیاً، یدل على ان مبدعها ومدبرها وممسك رباطها عن ان ینفصم واحد حقیقی یقیمها بقوته التی «یمسك السموات والارض ان تزولا. إذ لو كان فیهما صانعان لتمیّز صنع كل واحد منهما عن صنع غیره، فكان ینقطع الإرتباط، فیختل النظام».(7)

وبسبب تأثیر التعالیم القرآنیة فقد أكد العلماء المسلمون الكلاسیكیون على الارتباط العضوی لمختلف فروع المعرفة وحاولوا ان یطوقوا باحكام جمیع المعرفة المستوردة من خلال التمحور والتمركز حول الذات الالهیّة. على امتداد التاریخ الاسلامی؛ وكان هناك جهد ثابت لایجاد انسجام ووحدة خلف التعددیة الواضحة للنظام الطبیعی، وحاول العلماء والفلاسفة فی جمیع العصور ان یظهروا الصورة الموحدة للعالم.

استمر البحث والتحقیق حول التوحید فی زمن الاغریق حتى الفترة المعاصرة من عصرنا الحالی وشاهدنا الجهد المبذول من قبل علماء الفیزیاء والطبیعة النظریین من أجل توحید القوى الاساسیة للكون ولكن بالنسبة لعلماء الفیزیاء المعاصرین فان توحید القوى والوصول الى الجانب النظری لكل شیء وهذا یعنی نهایة الاسطورة ولكن بالنسبة للعلماء المؤمنین هی الخطوة الاولى فی البحث والتحقیق حول الخالق والحافظ لهذا الكون المناسق.

«إنَّ فی خَلْق السَّمَواتِ والارضِ واختلاف اللیل والنهار لآیات لاولی الألباب، الذینَ یذكرونَ اللّه‏َ قیاماً وقعوداً وعلى جنوبهم ویتفكّرون فی خلق السمواتِ والارضِ، رَبَّنَا ما خَلقْتَ هَذا باطِلاً…» (آل عمران/ 191-190).

الفكرة الاتحادیة حول النظام البدیع كان أمراً شاقاً بین العلماء المسلمین المشهورین السابقین وهكذا فان العلماء عجزوا من تعزیز ورقی بعض مجالات المعارف على حساب المجالات الاخرى. فی عصرنا الحالی، على أیّ حال، هناك صعوبة لای حوار بین علوم الطبیعة والعلوم الانسانیة وأدى التخصص الى تشتت المعرفة وهذا بدوره منع المتعلمین من الحصول على صورة موحدة للعالم المادی وضیق سلسلة البحث والتقصی.

وقد شرح هایزنبرغ هذه النقطة بصورة جمیلة: «الیوم زهو العالم وكبریاؤهُ وحبه للتفاصیل والاكتشاف والبحث وتنظیم الاجزاء الصغیرة الظاهرة فی الطبیعة من خلال مجال مطوق وضیق وهذا یعزز بصورة طبیعیة التقدیر والاحترام العالی للحرفی فی موضوع خاص، والباحث على حساب وادراك وقیمة العلاقات المتبادلة على نطاق واسع خلال هذه الفترة كما نستطیع أن نتكلم بصعوبة عن الفكرة الموحدة للطبیعة على الاقل فیما یخص المحتوى. الدنیا بالنسبة للعالِمِ الفذِّ هی جزء ضیق من الكون والتی كرس حیاته وعمله من أجلها.»(8)

فی عصرنا الحالی لا خیار للعلماء غیر التخصص والتخصص فی حدّ ذاته لیس مشكلة، ومایشعرنا بالحزن والأسى هو خسارة العالم للصورة الموحدة للكون والتعمیم غیر المضمون للاختصاص فی مجال الخاص فی البحث الى الحقول الاخرى، والتوجه الى الدراسات المتمیزة بالانضباط والتی اصبحت شاقة وصعبة فی هذه الایام تصعف بهذه المشكلة.

2ـ الاعتقاد فی الحقائق فوق الطبیعیة وقصور المعرفة الانسانیة :

وفقاً للقرآن الكریم فان المصادر الخارجیة هی ضروریة لمعرفة الكون، ولكن من وجهة نظر القرآن، الحقائق الحسیّة غیر كافیة لادراك الكون. وجمیع ما یحصل من حواسنا علیه هی نماذج أو أجزاء منفصلة تستطیع عقولنا فقط ان تربط هذه الاجزاء مع بعضها كما یفسر لنا شوماخر E.F.Schumacher بصورة رائعة :

«نحن ببساطة لا نرى فقط بأعیننا ولكن نرى أیضاً مع جزء كبیر من مؤهلات عقولنا وبما أنَّ هذه المؤهلات العقلیة تتباین بصورة شاسعة من شخص لآخر فان هناك اشیاء كثیرة من المتعذر اغفالها وذلك لانَّ بعض الأشخاص یستطیعون فهم الاشیاء وادراكها بینما الآخرون یتعذر علیهم ذلك وما نراه مناسباً وملائماً لبعض الافراد لا نراه كذلك للآخرین.»(9)

هناك بعض الناس یمتلكون أحاسیس منتظمة ولكنهم لا یستطیعون ربط أفكارهم وملاحظاتهم بحیث یعكسوا ذلك على احاسیسهم وعقولهم.

«لَهُمْ قُلُوبٌ لا یَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أعْیُنٌ لا یُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذانٌ لا یَسْمَعُونَ بِها…» (الاعراف/ 179)

بالاضافة الى ما ذكر یوجد هناك فی العالم حقائق لا نستطیع أنْ نستوعب أی معلومات عنها من خلال الاحاسیس الخارجیة.

«سُبْحَانَ الّذِی خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبُتُ الأرْضُ وَمِنْ أنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لاَ یَعْلَمُونَ…» (یس/ 36)

«وللّه‏ِ غَیْبُ السَّمواتِ والأرْضِ…» (هود/ 123)

فی الواقع یذكر القرآن الكریم عالمین، عالم الغیب وعالم الشهادة. معرفتنا بعالم الغیب یمكن الحصول علیها فقط من خلال الوحی.

«قُلْ لا أقُولُ لكُمْ عِنْدِی خَزَائِنُ اللّه‏ِ وَلاَ أعْلَمُ الغَیْبَ وَلاَ أقُولُ لكُمْ إنّی مَلَكٌ اِنْ أتَّبِعَ إلاَّ ما یُوحَى إلَیَّ…» (الانعام/ 50)

باختصار لیس جمیع المعلومات حول الكون هى متجذرة حسّیّاً بل هناك الكثیر من الحقائق فی الكون لا نملك أی وسیلة للوصول او الاقتراب الیها.

یشیر الاعتقاد بتحدید المعرفة الانسانیة ووجود الحق

المزيد


شمولية افادة الأخلاق للفقه

مارس 28th, 2007 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

د. طه عبد الرحمن
شمولية افادة الأخلاق للفقه

يتعين علينا أن نوضح كيف أن علم الأخلاق يفيد الحكم الشرعي من جهاته الثلاث: المقصود والقصد والمقصد.
1.3.2 - فائدة الاخلاق للمقصود الشرعي: قد أجمع الأصوليون على استناد المقصود الشرعي إلى الهيئة الخلقية التي فطر عليها الانسان، فيكون حينئذ كل حكم شرعي مبنياً في أصله على هذه الفطرة؛ وأن كل ما انبنى على الفطرة لابد أن يكون معنى عملياً ليس تعلقه بظاهر النص أولى من تعلقه بإشارته، ولا تعلقه بأول النظر أولى من تعلقه بإعمال النظر، كما أن المعاني العملية هي بمثابة القواعد السلوكية التي تقررها الأحكام الشرعية. ومتى سلمنا أن كل حكم شرعي مبني على الفطرة هو بمنزلة قاعدة تقوم السلوك، لزم أن يكون كل حكم شرعي ناهضاً بتقويم الأخلاق. وقد نضيف الى هذه النتيجة الحقيقتين المسلمتين:
إحداهما، أن القاعدة الشرعية أكثر تسديداً للسلوك من غيرها، أو قل أوفق منها، وذلك بمقتضى ثبوت بعدها عن التجريد النظري.
والثانية، أن القاعدة الشرعية أكثر تغلغلاً في العمل من غيرها، أو قل أرسخ منها، وذلك بموجب إقرارها بمبدأ المراتب في كل عمل وفتح الباب للزيادة فيها.
يلزم عن ذلك كله أن كل حكم شرعي يسنّ أكثر القواعد تسديداً للسلوك وأكثرها تغلغلاً في العمل.
2.3.2 - إفادة الأخلاق للقصد الشرعي: اتفق الأصوليون على أن العمل بالحكم الشرعي يستوجب استحضار قصد التقرب به، حتى يتميز عن غيره من أفعال العادات، وتتميز مرتبته عن مرتبة غيره من أعمال العبادات. وقد بينا كيف أن النية هي توجيه للفعل لايصلح حتى يتخلص مما قد يلابسه من التوجهات غير التعبدية، بمعنى أن النية الصالحة هي النية الخالصة، علماً بأن النية والإخلاص معنيان لا ينازع أحد في صفتهما الأخلاقية. ومتى صح أن العمل بالحكم الشرعي يقتضي تحصيل نية التقرب مع الاجتهاد في التحقق بالاخلاص، وأن النية والإخلاص من صميم الأخلاق، لزم أن يكون الحكم الشرعي موقوفاً على القيام بشرائطه الأخلاقية. وقد نضيف الى هذه النتيجة الأولى حقيقتين أخريين مسلم بهما:
إحداهما: أن النية والإخلاص أسبق من غيرهما من المعاني الأخلاقية، إذ ينزلان منزلة الشرطين اللذين إذا فقدا فقد المشروط، حتى لا عمل إلا مع الإخلاص، ولا عمل إلا مع النية، مصداقاً للحديث الشريف: «إنما الأعمال بالنيات».
والثانية، أن النية والإخلاص أدق المعاني الأخ

المزيد


شمولية نسبة الأخلاق لأصول الفقه

مارس 28th, 2007 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

د. طه عبد الرحمن
شمولية نسبة الأخلاق لأصول الفقه:

لقد ظهر أن كل حكم شرعي مقترن اقتراناً بأصل أخلاقي، إما قاعدة أو شرطاً أو قيمة؛ فإذا كان الأمر كذلك، اتضح أن بيان طبيعة الحكم الشرعي توجب علينا أن نعتبر هذا الاقتران الأخلاقي، فضلاً عما يقضي به هذا الحكم من تكليف مقيد أو غير مقيد. وعلى هذا، يصح أن نقول بأن للحكم الشرعي وجهين اثنين: أولهما فقهي والآخر أخلاقي.
أما الوجه الفقهي في الحكم الشرعي، فتنحصر أوصافه في ثلاثة أساسية، هي:
أ_ أن الوجه الفقهي مُلزم إلزاماً مراقَباً مراقبة مادية عن طريق الجزاء الذي يتولى الوازع الشرعي إيقاعه.
ب_ أن الوجه الفقهي يضبط من سلوك الفرد ظاهر الأعمال التي تعود بالنفع أو بالضرر عليه أو على غيره.
ج_ أن الوجه الفقهي يتوسل بالتعليل السببي في تقرير أحكامه وتنسيق بعضها مع بعض.
وأما الوجه الأخلاقي في الحكم الشرعي، فتنحصر أوصافه في ثلاثة أساسية، هي:
أ_ أن الوجه الأخلاقي مُلزِم إلزاماً مراقباً مراقبة معنوية عن طريق الوازع النفسي الذي ينبعث من ذات الإنسان.
ب_ أن الوجه الأخلاقي يضبط من سلوك الفرد باطن الأعمال التي تعود بالصلاح أو الفساد عليه أو على غيره.
ج_ أن الوجه الأخلاقي يتوسل بالتعليل الغائي في بيان أحكامه وترتيب بعضها على بعض.
هكذا، يتضح أن الصورة الفقهية تنبني أساساً على محددات خارجية، وهي الإلزام المادي وظاهر الأعمال والتعليل بالأسباب، بينما الصورة الأخلاقية تنبني أصلاً على محددات داخلية، وهي الإلزام المعنوي وباطن الأعمال والتعليل بالغايات؛ فيكون كل حكم شرعي جامعاً بين وجهين، كل وجه منهما يتفرع عنه ما يقابله في الوجه الآخر، فالإلزام المادي في الأول يقابله الإلزام المعنوي في الثاني؛ وظاهر الأعمال يقابله باطنها؛ والتعليل بالأسباب يقابله ال

المزيد


تداخل علم الأخلاق مع أصول الفقه

مارس 28th, 2007 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

د. طه عبد الرحمن
تداخل علم الأخلاق مع أصول الفقه:

اعلم أن الأصل في التداخل المعرفي الداخلي عند أبي إسحاق هو بالذات اشتغاله بمفهوم "المقصد"؛ فقد نُسب إليه تأسيس "علم المقاصد"، على الرغم من أن غيره، من أمثال الجويني والغزالي، سبقه إلى الكلام في هذا الموضوع، إلا أن مدلول هذا التأسيس فيه إجمال يحتاج إلى تفصيل؛ فقد يراد به جعل المقاصد قسماً متميزاً من أصول الفقه ينضاف إلى الأقسام الأخرى كقسم الأدلة وقسم الأحكام وقسم طرق الدلالة ليكوِّن المجموع ما اصطلح عليه باسم "أصول الفقه". وقد يراد أيضاً إنشاء صياغة جديدة لأصول الفقه ينتقل بمقتضاها هذا العلم إلى مزيد من الإحكام المنهجي والاشتمال المضموني.
أما الأول، فغير مسلَّم، لأن ما تناوله علم المقاصد بالبحث هو جملة ما يختص بالنظر فيه علم الأصول بحسب وضعه الاصطلاحي؛ فمن الخطأ المنهجي إنزال المقاصد منزلة باب من أبواب الأصول كما يقع ذلك في كتب "الأصوليين" المتأخرين. وأما الثاني، فيحتاج إلى مزيد التوضيح؛ فإذا كان المقصود هو انتقال في النظام المعرفي كما جاء ذلك عند الجابري، بمعنى أن علم المقاصد هو علم يُخرِج أحكام الفقه من المعالجة البيانية إلى التنسيق البرهاني، فلا يُسلِّم، لأننا سوف نرى أن المضامين المقصدية تندرج في نظام معرفي أنزله الجابري مرتبة هي دون مرتبة البيان؛ إذ ينكشف أنها على الحقيقة مضامين عرفانية، فيكون الانتقال الذي حصل في علم الأصول ليس انتقالاً إلى "الأفضل" أي ارتفاعاً في القيمة العلمية كما ادعى هذا الناقد، بل انتقالاً إلى " الأخس"، أي نزولاً في هذه القيمة، متى أخذنا بمعاييره في ترتيب النظم المعرفية. أما إن كان المقصود هو بناء نسق متداخل يحقق وجهاً من وجوه التكامل لم ينتبه إليه الأصوليون الذين سبقوا الشاطبي، فهو ما ندعيه ونريد إقامة الدليل عليه.
بعد هذا التمهيد، لنرجع إلى ما كنا بسبيله، وهو أن مفهوم "المقصد" هو مدار التداخل الداخلي عند الشاطبي؛ فلنبسط الكلام في ذلك، مستهلِّينه بتحرير المراد من لفظ "مقصد"، فنقول بأن المقصد لفظ مشترك بين معان ثلاثة لا أحد، حسب علمنا، سبق إلى تفصيل الفروق بينها. ولكي نتبين بوضوح هذه الفروق، نتوسل في ذلك بطريق التعريف بالضد، فنقابل معاني المقصد بأضدادها، واحداً واحداً.
أ ـ يُستعمَل الفعل: "قصد" بمعنىً هو ضد الفعل: "لغا" ("يلغو"). لما كان اللغو هو الخلو عن الفائدة أو صرف الدلالة، فإن المقصد يكون، على العكس من ذلك، هو حصول الفائدة أو عقد الدلالة؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم "المقصود"، فيقال: "المقصود بالكلام" ويراد به مدلول الكلام.
ب ـ يُستعمَل الفعل: "قصد" أيضاً بمعنى هو ضد الفعل: "سها" (يسهو"). لما كان السهو هو فقد التوجه أو الوقوع في النسيان، فإن المقصد يكون، على خلاف ذلك، هو حصول التوجه والخروج من النسيان؛ واختص المقصد بهذا المعنى باسم "القصد".
ج ـ يُستعمَل الفعل: "قصد" كذلك بمعنىً هو ضد الفعل: "لها" ("يلهو"). لما كان اللهو هو الخلو عن الغرض الصحيح وفقد الباعث المشروع، فإن المقصد يكون، على العكس من ذلك، هو حصول الغرض الصحيح وقيام الباعث المشروع؛ واختص المقصد بهذا

المزيد


فلسفة واحدة للمستقبل أم فلسفات؟

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

فلسفة واحدة للمستقبل أم فلسفات؟

نينيان سمارت تشخص في كتابها الصادر أخيرا سمات مشتركة بين الفلسفتين الشرقية والغربية

كامل شياع ربما كان برتراند راسل أول من ألف كتابا في تاريخ الفلسفة تحت عنوان «تاريخ الفلسفة الغربية» (1946)، تبنى فيه مفهوماً اعتبره «واسعا جدا» لتعريفها. وحاول عبره قراءة الفلسفة في علاقة التأثر والتأثير التي تربطها بالأحوال السياسية والاجتماعية لزمنها، مفترضا ان الفلاسفة لا ينشأون في الفراغ وأنهم يشكلون جزءاً أساسياً من حياة شعوبهم. هذه القراءة التاريخية تعيد الى الاذهان سخرية المفكر الألماني فريدريك نيتشه من الفلاسفة ذوي النزعة الميتافيزيقية الذين يظنون، حسب رأيه، بأنهم يضفون جلالا على موضوع بحثهم حين يجردونه من ثقله التاريخي. حدد راسل موقع الفلسفة في منطقة وسطى بين التصورات الدينية والاخلاقية الموروثة، من جهة، وبين المعرفة العلمية الدقيقة، من جهة أخرى، ولم يدر في خلد مؤلف «تاريخ الفلسفة الغربية» وجود فلسفات أخرى غير غربية، بدليل تأكيده على ان الفلسفة هي واحدة من ثلاثة اختراعات كبرى للحضارة اليونانية بجانب الرياضيات والعلم. على الرغم من اعتراف راسل باسهامات حضارات المنطقة كالفرعونية والبابلية في المجالين الأخيرين تحديداً، الا أن مفهومه «الواسع جدا» للفلسفة وقف دون تغطية أو اقتفاء البدايات الأولى المتزامنة التي انطلقت من الشرقين الأدنى والأقصى. لهذا يمكن تفسير إلحاقه لصفة الغربية بالفلسفة على انه ينطوي على تسليم مسبق بخصوصية العبقرية اليونانية والغربية عموماً. خلاف نظر

المزيد


تناقص الفلاسفة مؤشر خطير يقلق فرنسا

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

تناقص الفلاسفة مؤشر خطير يقلق فرنسا

منذ فترة وجيزة أعلنت فرنسا عبر وسائل إعلامها ممثلة في جمعياتها العلمية والأكاديمية قلقها الشديد من تناقص الفلاسفة في البلاد واعتبرته مؤشراً غير حضاري وهماً يقلق فرنسا كثيراً.

هذا الاعلان الفريد لا يليق إلاّ بفرنسا والفرنسيين ذوي الأعراف والتقاليد الثقافية العريقة ولا يمكن أن يصدر إلاّ من أمة تعي دورها الحضاري وتأثيرها الثقافي الأممي، وأيضاً لم ينطلق من مباهاة فارغة بل من مرجعية فكرية وفلسفية إنسانية أسست للعالم قواعد حقوقية ومبادئ ومفاهيم ما زال المجتمع المتحضر يفتخر ويتمسك بها حتى يومنا هذا كالحق الطبيعي والحق المدني والحق العام وفكرة سيادة القانون والحرية والمساواة والإرادة القومية، وجلها مساهمات فرنسية أبدعها عقل الفيلسوف الفرنسي الفذ الحديث والمعاصر، ولا غرابة فهي الرحم المعرفي الولود الذي أنجب أعظم فلاسفة الغرب على الإطلاق.

من يزايد على فرنسا؟

وبعد كل هذا هل يحق لأحد المزايدة على فرنسا ويشاركها ذلك القلق؟ وعموماً تلك المبادرة وذلك القلق لن يقبل إلاّ من فرنسا والفرنسيين فقط ولا أبالغ إذا قلت لا يضاهي الفرنسيين إلاّ العرب باعتزازهم وشغفهم الدائم بالموروث الثقافي وربطهم الهوية الحضارية بذلك والاستعداد للتصدي والدفاع عنه بثقة وشراسة. وهذه السمة المشتركة بيننا وبينهم لا يختلف عليها اثنان، وهم تقريباً الشعب الوحيد بين شعوب الغرب الذي يمارس هذا الفعل الثقافي الحضاري من دون اعتبارات أو التفات للتهم، التي قد تصل الى نعت فرنسا والفرنسيين بالانغلاق والتعصب وهي تُهم يتحاشاها الغرب عموماً. هذا السلوك الفرنسي يستهوي العرب كثيراً، بل قد جعلوه مبرراً قوياً للدفاع عن هويتهم وثقافتهم أمام الآخر في ظل الانفتاح على العالم

المزيد


نهاية الفلسفة الكليانية.. موت الإنسان بعد موت «قيمة القيم»

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

نهاية الفلسفة الكليانية.. موت الإنسان بعد موت «قيمة القيم»

انبثقت الفلسفة الحديثة من القطيعة الابستمولوجية (المعرفية) التي احدثها انبثاق العصر الحديث الذي كانت علامته الفارقة اختراع المحرك البخاري. اي انبثاق عصر العلم الذي مهدت له فتوحات عقلانية علمية كبرى: كوبرنيكوس ـ غاليلو ـ نيوتن…

انه عصر العلم التجريبي وانطلاقة الثورة الصناعية والكشوفات الجغرافية والسفر في المحيطات العظيمة (= السفر اليوم في الفضاء) وانه ايضا عصر الفكر السياسي الواقعي الناقض لفلسفة الميتافيزيقية، حيث دار صراع تاريخي في فضاء الاقتصاد السياسي فجر حروبا وثورات، بين منطق الطابو اللاهوتي ومنطق العقد الاجتماعي هو بمعنى آخر صراع بين فلسفة الميتافيزيقية وفلسفة الارض بين ان التاريخ تحصيل حاصل وبين ان التاريخ عمل من صنع الانسان. بين ان الطبيعة سيدة الانسان وبين وجوب ان يكون الانسان مالكا للطبيعة وسيدا عليها، وذلك كان هو لب بيان الفلسفة الحديثة الانقلابي الذي استهدف ابطال عمل الفلسفة القديمة: الاغريقية ـ القروسطية السكولائية (المدرسية) المتحصنة ما وراء الطبيعة متوسلة بايماناتها الغيبية.

انه اذن بيان الشك في ما سبق من مسلمات وايمانات صارمة. اذ الشك نقيض كل تسليم. وكان على التفكر او التفلسف الانساني اذا شئت ان ينتظر انتظام تحولات منطقه كي ينبثق كوجيتو ديكارت الشهير: (انا افكر اذن انا موجود) مولداً به مركزية الانسان في الطبيعة، الانسان الذي سيعمد في عصر الاستعمار باسم الانسان الابيض المسيحي بصفته مركز العالم والتاريخ والمعرفة والاعراق.

كان كوجيتو ديكارت الشكاك مدخلا وشرطا للتفكير غير المسلم بما اعتبر حقائق هي لطول ثباتها على علاتها اصبحت مطلقة متعالية ومفارقة للنقد ما بالك بالنقض. فجاء الشك الفلسفي ليعمل عمله المراجعي او ليجري اجرانيته النقدية ناهجا مبدأ «الحكم المعلق» او تعليق الحكم حسب تعريف ديكارت لعمل منهج الشك المعرفي الذي هو شك طلاب معرفة التي هي، ودائما مع ديكارت: «قد يكون مخدوعا بها في مكان حيث قد لا يكون فيه الا قليل من النحاس والزجاج ذلك الذي اعتبر ذهبا وماسا».

الشك الخلاق شك ديكارت كان مصابا بالميتافيزيقيا على كل حال لكنه كان، في عصره، فتحا فذا (ستتطور آلياته المعرفية وتغني حتى يصير مع النصف الثاني من القرن العشرين فلسفة تفكيكية لا تستقر على حكم وتكاد لا تسلم بشيء).

كان الشك الفلسفي محرك الحداثة الغربية ومرشد الابتكارات المعرفية ـ العلمية. شك في المفاهيم والمعارف والقيم الحضارية السائدة.

شك في منطق الرؤية الكسمولوجية الرائجة وقتها عن الكون تحت سطوة سيطرة «حقائق» هي محض تخريف للفيزياء والطبيعة والكيمياء والفلك وكذا السياسي

المزيد


بركان سانتوريني سبب انهيار الحضارة اليونانية الأولى

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

بركان سانتوريني سبب انهيار الحضارة اليونانية الأولى

أحمد عثمان

اختفت أول حضارة أوروبية في ظروف غامضة منذ حوالي 3 آلاف و650 سنة، وحتى الآن لا يعرف أحد أسباب انهيارها المفاجئ. ولكن في برنامج قدمه تلفزيون البي بي سي البريطاني يوم 2 اغسطس (آب) الماضي، كشف الباحثون أن ثوران بركان سانتوريني تسبب في القضاء على الحضارة المينية اولى الحضارات التي ظهرت في اوروبا. وسانتوريني جزيرة بركانية صغيرة في جنوب بحر إيجه، على بعد بضعة كيلومترات شمال كنوسوس عاصمة المملكة المينية القديمة بشمال جزيرة كريت. وتبين ان حمم بركان سانتوريني تسببت في اغلاق ميناء كنوسوس وتجارته، مما ادى في النهاية الى سقوط المملكة المينية وانتهاء حضارتها.

ظهرت أول حضارة أوروبية في جزيرة كريت منذ حوالي أربعة آلاف سنة، وعرفت باسم الحضارة المينية. وبحسب ما جاء في الأساطير اليونانية، ترجع تسمية الحضارة المينية الى اسم مينيون الذي كان يحكم مملكة كريت في ذلك الوقت. وتمكن الملك مينيون من مد نفوذه التجاري والثقافي الى الممالك اليونانية في جزر بحر ايجه، بسبب امتلاكه اسطولاً بحرياً كبيراً فتأثرت بلاد اليونان كلها بالحضارة المينية. وعثر رجال الآثار على بقايا مدينة كنوسوس عاصمة المملكة المينية، مدفونة تحت تل بجزيرة كريت في اوائل القرن العشرين، كما كشف عن قصر الملك مينيون وبداخله مبنى التيه «لابيرنث» الذي تحدثت عنه الأساطير. وكانت الأساطير اليونانية القديمة قد تحدثت عن ملك يسمى مينيون حكم كريت في الأزمنة السابقة على الحضارة الهلنستية، الذي كلف مهندسه ديدليوس بتصميم مبنى التيه في عاصمته كنوسوس، ليحفظ به كائناً أسطورياً اسمه مينوتاور له نصف بشر ونصف ثور.

مدن اليونان لم تكن بلاد اليونان في بداية تاريخها تمثل شعباً متحداً له حكومة واحدة وعاصمة مركزية، وانما اقواماً متفرقة منقسمة الى وحدات عدة وممالك مختلفة ـ مثل ثياليا وبيوتيا وفوسيس وأركاديا ـ وان اتفقت كلها في اللغة والعادات والاعتقادات الدينية. ولم يكن اسم «اليونان» هو الاسم الذي اختارته هذه الأقوام لنفسها، وانما عرفوا في ذلك الزمان باسم الهيلينيين، وكان الرومان هم الذين أطقوا عليهم اسم «غريسيا» بعد ذلك.

والى جانب أرض اليونان الحالية كان الهيلينيون يعيشون في جزيرة صقلية وسواحل آسيا الصغرى. وأقدم من تحدث عن الهيلينيين وتاريخهم الشاعر المعروف هوميروس.

وحسب الكتابات القديمة فان الهيلينيين لهم ثلاثة أصول قبلية مختلفة: الدوريون بجنوب آسيا الصغرى ووسط بلاد اليونان، والإليان الذين انتشروا في أماكن متفرقة في اليونان وشمال آسيا الصغرى، واليونان الذين كانوا في الشمال. وكان هيرودوتوس أول من سجل احداثاً ذات طبيعة تاريخية عن اليونان وبلادهم. وقد ولد

المزيد


معركة بين العقلانية واللاعقلانية في الفكر الأوروبي

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

معركة بين العقلانية واللاعقلانية في الفكر الأوروبي

يمكن القول بان المعارك الثقافية لا ترحم، مثلها في ذلك مثل المعارك السياسية، صحيح انها قد تبدو احيانا اقل عنفا او اكثر حكمة وتعقلا، ولكنها تهدف الى ذات الشيء تسفيه الخصم والكشف عن عيوبه من اجل ان يفقد هالته وهيبته. وهناك عدة مستويات للمعارك الفكرية: مستوى الكبار الذين يكتفون بالحجج المنطقية والعقلانية كسلاح للمحاربة، ومستوى الصغار الذين لا يتورعون عن استخدام كافة الاسلحة للقضاء على خصومهم (بما فيها الاسلحة الشخصية والاشاعات المزورة ومحاولات التحطيم المعنوية). لكن جاك بوفريس الذي استعرضنا بعض افكاره في دراسة سابقة ليس من هذا النوع بالطبع فهو يكتفي بالمحاربة الفكرية العالية المستوى. بل ولا يتردد في الاعتراف باهميته كمفكر ساهم في تعرية نواقص الحضارة الغربية والمجتمعات الليبرالية. ولكنه يستغرب كيف يمكن لمفكر عبقري مثله ان يساوي بين الانظمة الشيوعية والانظمة الليبرالية الديمقراطية من حيث آليات القمع والمراقبة والمعاقبة. فهناك فرق جوهري بين هذين النوعين من المجتمعات. وعلى الرغم من نواقص المجتمع الليبرالي الديمقراطي الا انه لا يمكن مقارنته بالانظمة الديكتاتورية التي لا تعترف بحرية التفكير والتعبير والنشر وحرية الصحافة.. الخ.. هنا سقط فوكو وقبله سارتر في نوع من التطرف اللفظي غير المفهوم وغير المقبول. ولكن بعضهم يقول بان انضمام فوكو وسارتر الى صفوف اليسار المتطرف في الستينات والسبعينات حمى فرنسا من موجة الارهاب التي كانت ستعصف بها لولا امتصاصهما لنقمة هذه القوى الثورية الهائجة عن طريق انضمامهما اليها. والدليل على ذلك ما حصل في المانيا في نفس الفترة حيث انفجر العنف بسبب عدم قدرة المفكرين الالمان على امتصاص او استيعاب هذه القوى الصاعدة والملتهبة في الساحة الاجتماعية. وهذه فكرة جديرة بالمناقشة فالمجتمع اي مجتمع بشري، يحتوي على قوى لا عقلانية تموج في احشائه، واذا لم تستطع ان تعبر عن نفسها من خلال قنوات طبيعية فانها تنفجر بالعنف والاغتيالات وتهدد توازن المجتمع. وبهذا المعنى فان المفكر النقدي ـ على طريقة سارتر او فوكو ـ يساعد المجتمع على تفريغ شحناته الثورية المكبوتة بشكل مباشر او غير مباشر وعلى الرغم من ان المثقف النقدي يزعج الدولة الا انه يقدم لها وللمجتمع خدمة اكبر من المثقف الامتثالي الطيع على طول الخط. ولكن المشكلة هي ان فوكو تجاوز كل الحدود في نقد مؤسسات المجتمع الليبرالي حتى كاد يهدد اسس الديمقراطية نفسها، وكاد يساوي بينها وبين الانظمة الاستبدادية الشيوعية. وهذا شيء غير مقبول على الاطلاق. وهنا تكمن نقطة الضعف، الاساسية في فكره. واذا كان جاك بوفريس قد ركز على لاعقلانية فوكو، فان لوك فيري وآلان رينو ركزا على تدميره للفلسفة الانسانية الغربية (هيومانيزم) Humanisme وكان ذلك في كتاب شهير صدر بعد عام واحد من موت الفيلسوف كما قلنا، اي عام 1985. وقد اصبح هذا الكتاب انجيلا لكل معارضي فوكو وديلوز ودريدا بشكل خاص. فقد اراد مؤلفاه، وهما فيلسوفان شابان، ان يحطما اسطورة ميشيل فوكو في الساحة الفلسفية الفرنسية. ومن المعلوم ان فوكو كان قد هيمن على هذه الساحة طيلة ربع قرن، بل ويمكن القول بانه هيمن على الساحة الدولية، ايضا، لان انتشاره كان واسعا في الولايات المتحدة الاميركية (الآن خفت اهميته بعد ان انكشفت نواقص فكره) وبالتالي فلا بد من ايقافه عند حد معين او تحجيمه اذا امكن. وهذا ما حاوله لوك فيري وآلان رينو في كتابهما الذي اتخذ العنوان التالي: «فكر ثورة مايو 1968: مقالة حول النزعة المعاصرة المضادة للفلسفة الانسانية» (1). قد يبدو العنوان طويلا وغامضا بعض الشيء ولكن يمكن تفسيره بسهولة، فالفكر الاجتماعي الغاضب رافق ثورة مايو 1968 كما قلنا واراد الاطاحة بالنظام البورجوازي الرأسمالي المسيطر. وكان ممثلوه من عدة اتجاهات: فهناك الماركسي التوسير، وهناك النيتشوي فوكو، وهناك الهيدغري دريدا، وهناك النيتشوي الآخر جيل ديلوز وهناك عالم الاجتماع البنيوي بيير بورديو. وعلى الرغم من اختلاف هؤلاء المفكرين في ما بينهم إلا انهم يتفقون جميعا على نقطة واحدة: الا وهي ادانة الفلسفة الانسانية البورجواز

المزيد


ماذا تعني فلسفة الاختلاف؟

ديسمبر 22nd, 2006 كتبها محمد الأميني نشر في , مقالات متعلقة بالموضوع

ماذا تعني فلسفة الاختلاف؟

 

* من رشيد بوطيب ـ المانيا:
ينتمي فكر دريدا الى سياق تيار اسميه «فلسفة الاختلاف». واضافة الى دريدا هناك فلاسفة آخرون يمثلون هذا التيار بفرنسا: ميشيل فوكو، جيل دولوز، جان فرانسوا ليوتارد، جوليا كريستفا وليس ايجاري. وايضا بالمانيا وايطاليا هناك عمل بطرق شتى على «فلسفة الاختلاف»، وتمثل «التفكيكية» التي تطورت بشعبة النقد الادبي بالولايات المتحدة، تطورا لفكر دريدا. غير ان اطلاق وصف «فلسفة الاختلاف» لا يمر من دون اثارة مشاكل. انه وصف مستمد من النقد الموجه لفكر الهوية كما تطور ـ هذا النقد ـ عند ادورنو. ان نفكر في الاختلاف، يعني ان لا نفكر بمنطق الهوية، وان لا نرجع الآخر والمتعدد الى المثل والشبيه، لهذا فإنه من غير المعقول ان نفهم تيار الاختلاف، كتيار واحدي ومحدد المعالم. فكر الاختلاف لا يمكنه الا ان يكون مختلفا ومخالفا وليس واحديا. ويمكن للمرء ان يعتبر مقالة هايدجر «الهوية والاختلاف» الوثيقة الاصلية لهذا العمل الفكري، هذه ال

المزيد


التالي